مايو22: الشامة الاجمل في وجه اليمن الكبير
في رحاب الثاني والعشرين من مايو، نقف أمام علامة فارقة وبقعة بيضاء في تاريخ اليمن والوطن العربي المعاصر. قد نكون اليوم ساخطين على ما آلت إليه أحوالنا كأمة يمنية، وقد يعتصرنا الألم ونحن نرى وطناً كان في الوجدان ملاذاً وحاضراً وماضياً، وقد صار مثقلاً بالجراح والانقسامات. غير أن السخط على الواقع لا ينبغي أن يتحول إلى سخط على لحظة الوحدة، ولا أن يدفعنا إلى التقليل من شأن حدث تاريخي كبير لمجرد أن الحاضر تعثر أو أن السياسة شوّهت المعاني.
أنا لا أمجّد الماضي بوصفه وهماً، ولا أحنّ إليه باعتباره ملجأً للهروب من الحاضر. بل على العكس، أمقت التغني بالماضي حين يتحول إلى فراغ عاطفي، كما أرفض أن يُستدعى التاريخ لتغذية الانقسام أو تعطيل المستقبل. لكن 22 مايو، مهما اختلفت حوله الروايات، ومهما حاولت الأطراف السياسية نسبته إلى نفسها أو استثماره في سوق المزايدات، يظل لحظة جامعة تتجاوز الأشخاص والأحزاب والسلطات. إنه ليس ملكاً لطرف، ولا غنيمة سياسية، بل هو شامة جميلة على خد اليمن الكبير.
لنتأمل المشهد بوعي وإنصاف: في زمن كانت فيه خرائط كبرى تتفكك، وكان الاتحاد السوفيتي يتهاوى، وكانت دول وقارات تعيد رسم حدودها بالانفصال والتمزق، كان اليمنيون يرفعون علماً واحداً. في لحظة كان العالم فيها يميل إلى التشظي، اختار اليمنيون الاجتماع. أليست هذه مفارقة عظيمة تستحق التأمل؟ أليس من حق التاريخ علينا أن ننحني احتراماً لذلك الوعي الجمعي الذي جعل اليمنيين، رغم الفقر والعزلة والاختلافات، يكتبون صفحة نادرة من صفحات الوحدة؟
قد نختلف في تقييم الرجال، وقد نرى في علي سالم البيض بطلاً وإن أخطأ أو ضلّ الطريق، وفي علي عبدالله صالح بطلاً وإن أخطأ لأنه في النهاية إنسان، لكن مايو أكبر من الأشخاص. الرجال يخطئون ويصيبون، تصعد أدوارهم وتغيب، أما الأمم فتبقى. والشعب قد يمرض، لكنه يتعافى؛ وقد يتعثر، لكنه لا يفقد قدرته على النهوض إذا امتلك الوعي والإرادة والمؤسسات.
لذلك، لا يجوز أن نقلل من شأن مايو مجاملة لهذا الطرف أو ذاك، ولا أن نحمّل الوحدة كل خيباتنا في محاولة لامتصاص الغضب أو مداواة المظالم. فالشعب اليمني اليوم مسحوق، لا بسبب فكرة اليمن الواحد، بل بسبب النعرات المناطقية، والصراعات السلطوية، وغياب المؤسسات العادلة، وتحوّل المظالم إلى أدوات سياسية تُستثمر لا لتصحيح الأخطاء، بل لإنتاج أخطاء جديدة.
الأرض لله، والوطن يتسع للجميع. والأهم من التنازع على الجغرافيا هو بناء الإنسان، وترسيخ العمل، وترك النعرات التي تفتك بالأمم من داخلها. اغضبوا من الواقع كما شئتم، والعنوا الفساد والحرب والفشل، لكن لا تلعنوا ما صنعتموه أنتم أو صنعه آباؤكم في لحظة نادرة من الوعي الوطني. إنني أخشى أن جيلين قد نشآ ولم يعودا يستشعران تضحيات الأجيال السابقة: قساوة الحياة والعزلة في شمال اليمن، وقسوة الاستعمار والتسلط في جنوب اليمن. وحين نقول شمال اليمن وجنوب اليمن، فإننا نقول قبل ذلك وبعده: اليمن. نعم، إنه اليمن الكبير؛ فكونوا كباراً بقدر كِبره.
إن الأمم لا تنهض إلا حين تتعلم العمل معاً، والتنازل لبعضها، وقبول الاختلاف داخل إطار وطني جامع. لقد اختلفنا فتمزقنا، وتنازعنا فضعفنا، وتعددت مشاريعنا حتى تهنا. لذلك فإن واجب اللحظة ليس أن نهرب إلى الماضي، ولا أن نجلد الذات، بل أن نعود إلى السؤال الجوهري: ماذا يجب أن يكون اليمن؟
تعالوا نخلق المؤسسات. تعالوا نبني دستوراً لا يُترك للهوى، وقضاءً لا يُستباح بالسياسة، وديمقراطية لا تتحول إلى فوضى. ناقشوا عاماً أو عامين كل صغيرة وكبيرة، لكن حين يتم الاتفاق على القواعد، سلّموا للديمقراطية عن طيب خاطر. لا تجعلوا مظلومية بعض السياسيين المشحونين جسراً لتمزيق الوطن، ولا تسمحوا لغطرسة التعالي والتكبر أن تغذي مشاريع عرقية أو طائفية أو مناطقية. اقبلوا ببعضكم قبل أن يرفضكم العالم، وتماسكوا قبل أن تتحولوا إلى مادة للسخرية بين القريب والبعيد.
الديمقراطيات تمرض حتى في منابعها، لكن ما يعيدها إلى التوازن هو قوة الدساتير، واستقلال القضاء، ووعي المجتمع، وخوف الناس من الانفلات خارج القواعد الجامعة. تظهر الشعبوية في فرنسا وأمريكا وألمانيا، ويظهر طامعون في السلطة يسوقون للمظلوميات ويحركون عواطف العامة. لكن المجتمعات الحية لا تعالج الأخطاء بالانقلاب على قيم الديمقراطية، بل بتصحيحها من داخل المؤسسات. حين تهتز الديمقراطية، تنهض المحاكم، والبرلمانات، والإعلام، والمجتمع المدني، ومؤسسات حماية الدستور، لتعيد البوصلة إلى مسارها.
وهذا ما نحتاجه في اليمن بصورة عاجلة: دستور راسخ، ومؤسسة تحمي الدستور، وقضاء مستقل يكون الفيصل لا أداة بيد السلطة، وديمقراطية واعية تفهم أن الحرية ليست انفلاتاً، وأن النقد ليس تطاولاً، وأن الاختلاف لا يعني استهداف الوطن. فالدولة ليست كياناً مجرداً خارج المجتمع؛ الدولة يصنعها البشر، وتتخلق مؤسساتها من الوعي الجمعي، وتتراكم تجاربها حتى تنتج في النهاية حوكمة رشيدة.
من هذا المنظور، كان مايو نتاج وعي جمعي وعمل شعبي ومؤسسي. صحيح أن القيادات وقّعت، لكن الشعب كان هو المحرك العميق لذلك الحلم. والقيادة، في أي دولة رشيدة، تكون من الشعب وللشعب، مسؤولة أمامه، قابلة للمحاسبة، لكنها ليست موضوعاً للتطاول المجاني أو التشويه العدمي. فالحرية قيمة عظيمة، بقدر ما أن الاستبداد آفة كبرى من آفات المجتمعات المتأخرة؛ غير أن الحرية لا تعني إهانة الرموز، ولا إنكار التضحيات، ولا تحويل الاختلاف إلى معول هدم.
إن تعدد الرؤوس دون تقدير متبادل هو بداية النزغات الشيطانية في اليمنيين. كل طرف يدعي المظلومية، وكل جماعة ترى أنها الأحق، وكل منطقة تظن أن الوطن مدين لها وحدها. وحين تغيب فضيلة نكران الذات، يصعب على أي مشروع كبير أن ينجح، ويصعب على أي شمل أن يلتئم. وهنا تكمن عظمة مايو: لقد كان، في جوهره، صورة من صور نكران الذات، وتقديم مصلحة الأمة على الحسابات الصغيرة، والعمل معاً من أجل غاية أسمى من السلطة وأطهر من المكاسب العابرة.
فلماذا تتداعى مواقفنا من مايو بسبب مواقف أشخاص؟ ولماذا نختزل الأمة في أخطاء سياسيين؟ مايو ليس أشخاصاً، بل أمة. ليس حزباً، بل ذاكرة وطنية. ليس وثيقة سياسية فحسب، بل لحظة وعي قالت فيها اليمن لنفسها وللعالم: نستطيع أن نكون واحداً.
لو لم يكن لليمنيين من أيامهم الكبرى إلا 22 مايو، لكفاهم أن يعتزوا به رغم كل الخيبات والإخفاقات. فلا تكونوا كمن عقر الناقة ثم جلس يبكي الخراب. عندما تتعدد المشاريع بلا جامع، وتكثر الرؤى بلا وطن، تتيه الأمم وتهون على القريب والبعيد. أما حين يوجد معنى يوحد الناس، فإنهم يستطيعون أن يختلفوا دون أن يتمزقوا، وأن يتنافسوا دون أن يتعادوا، وأن يبنوا مستقبلاً لا يلغي أحداً.
اليوم نحن بحاجة إلى وقفة جادة مع الذات. انسوا سؤال: من أخطأ؟ وابدؤوا بسؤال: كيف نصلح؟ انسوا ما كان على سبيل الثأر، وركزوا على ما يجب أن يكون على سبيل البناء. اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية، بل إلى مؤسسات؛ لا يحتاج إلى مزيد من المظلوميات المتصارعة، بل إلى عدالة؛ لا يحتاج إلى تمزيق جديد، بل إلى عقد وطني جديد يحفظ كرامة الجميع.
فليكن مايو بداية لا نهاية، وذاكرة لا وثناً، ومعنى لا شعاراً. ولنعترف بأن الوحدة لا تكتمل بالعلم والنشيد فقط، بل بالدستور، والمواطنة، والعدالة، والاعتراف المتبادل، والقبول الصادق بأن اليمن أكبر من الجميع، وأن من يريد وطناً كبيراً عليه أن يكون كبيراً في وعيه، كبيراً في تنازله، كبيراً في احترامه للآخرين.
مايو ليس ماضياً نتحسر عليه، بل وعداً لم ننجزه بعد. والوطن لا يموت حين يمرض، لكنه يموت حين يفقد أبناؤه الإيمان بإمكان شفائه.

تعليقات
إرسال تعليق